الشبح الذي مر من هنا: السرد الكامل لجرائم "القاتل الخفي" عام 1946
هناك قتلة متسلسلون يقتلون للشهرة، وهناك من يقتلون للمال، لكن الفئة الأكثر رعباً في التاريخ الجنائي هم أولئك الذين يظهرون فجأة من العدم، يزرعون الرعب الشديد في قلوب الآلاف، ثم يختفون كالدخان دون أن تلمح أجهزت الأمن حتى ظلهم. في عام 1946، وعلى الحدود الفاصلة بين ولايتي تكساس وأركانساس الأمريكية، وتحديداً في مدينة "تيكساركانا"، ظهر وحش بشري عُرف بلقب "القاتل الخفي" (The Phantom Killer). رجل بلا وجه، يرتدي كيس خيش أبيض يغطي رأسه بالكامل، حوّل "ممرات العشاق" المعزولة إلى مسالخ بشرية، وأجبر مدينة بأكملها على إغلاق أبوابها قبل غروب الشمس.
في هذا المقال الطويل والمفصل لمدونة The Thought Dock، نفتح أرشيف الجريمة الأمريكية المنسي، ونستعرض بالأسماء والتفاصيل والتحقيقات ليلة سقوط المدينة في قبضة الشبح.
الفصل الأول: غسق "تيكساركانا" والوحش ذو القناع الأبيض
في أعقاب الحرب العالمية الثانية، كانت مدينة "تيكساركانا" تعيش هدوءاً ريفياً هادئاً. لكن هذا الهدوء تبدد تماماً في ليلة 22 فبراير 1946.
كان الشاب جيمي هوليس (25 عاماً) وصديقته ماري جين لاري (19 عاماً) يتحدثان داخل سيارتهما في طريق ترابي معزول يُعرف بأنه ممر للمواعدة والعشاق. فجأة، انفتح باب السيارة وظهر رجل ضخم الجثة، يحمل كشافاً ضوئياً قوياً في يد، ومسدساً في اليد الأخرى. والأكثر رعباً أنه كان يرتدي قناعاً مصنوعاً من كيس خيش أبيض به فتحتان متباعدتان للعينين.
أجبر السفاح جيمي على الخروج من السيارة، وببرود سادي، ضربه على رأسه بمؤخرة المسدس بشدة لدرجة أن جمجمة جيمي تهشمت في ثلاثة مواضع وفقد وعيه فوراً. التفت الوحش نحو ماري التي حاولت الهرب، فلاحقها واعتدى عليها بعنف مفرط مستخدماً أدوات حادة، تاركاً إياها تنزف بغزارة على الأرض ظناً منه أنها فارقت الحياة. نجت ماري وجيمي بأعجوبة، وكانت شهادتهما لشرطة المدينة هي أول وصف لـ "الشبح ذو كيس الخيش"، لكن الشرطة اعتبرت الحادثة مجرد اعتداء عشوائي.. ولم يدركوا أنها كانت مجرد "الإحماء" للشلال القادم.
الفصل الثاني: شلال الدم في ممرات العشاق (الضحايا بالأسماء)
بعد مرور ثلاثة أسابيع فقط، وتحديداً في 24 مارس 1946، قرر السفاح ألا يترك خلفه أي ناجين ليروا قناعه الأبيض:
المجزرة الأولى (ريتشارد وبولي): في الصباح الباكر، عثر أحد المارة على سيارة متوقفة في ممر معزول آخر. في المقعد الأمامي، كان الشاب ريتشارد غريفين (29 عاماً)، وهو محارب قديم خرج من الحرب العالمية ليموت في موطنه، غارقاً في دمائه بعد إطلاق النار عليه في مؤخرة الرأس. وفي الحقيبة الخلفية للسيارة (الشنطة)، عثرت الشرطة على جثة صديقته بولي آن مور (17 عاماً). تقرير الطب الشرعي أكد أن بولي تم التنكيل بها وجرها لمسافة قبل قتلها برصاصة مباشرة. لم يترك القاتل أي بصمة أو أثر رصاصة على هيكل السيارة؛ كان يعمل بدقة جراحية.
المجزرة الثانية (بول وبيني): في 14 أبريل 1946، تكرر الكابوس الكربوني. اختفى الشاب بول مارتن (17 عاماً) وصديقته بيني جو بوين (16 عاماً). عُثر على جثة بول ملقاة على حافة الطريق السريع بعد إصابه بأربع رصاصات. أما جثة الفتاة بيني، فعُثر عليها على بعد عدة كيلومترات في حقل معزول، حيث قتلها السفاح بطلقة في الصدر بعد مطاردة مرعبة في الظلام.
الفصل الثالث: هلع "البلدة التي تخشى غروب الشمس"
هنا تحولت تيكساركانا من مدينة هادئة إلى ساحة حرب نفسية. انتشر رعب جماعي لم تشهده أمريكا من قبل، وأطلقت الصحافة على المدينة لقب "البلدة التي تخشى غروب الشمس".
أغلقت المتاجر أبوابها عند الساعة الرابعة عصراً، ونفدت الأسلحة والذخائر من محلات الصيد تماماً. قام السكان بتركيب أقفال حديدية إضافية، واشتروا الكلاب الشرسة، وبات الرجال يحرسون منازلهم وهم يحملون البنادق. استدعى حاكم الولاية أشهر محققي تكساس، الكابتن مانويل غونزاولاس (المعروف بلقب "الذئب الوحيد")، وانضمت قوات الـ FBI للتحقيق، وتم تسيير دوريات عسكرية مسلحة في الشوارع، لكن القاتل الخفي كان يراقب كل هذه الحشود ويسخر منها.
الفصل الرابع: اقتحام الحصون وصراخ في المزرعة
بما أن الشرطة أغلقت "ممرات العشاق" ومنعت خروج الشباب ليلاً، غير السفاح خطته تماماً في ليلة 3 مايو 1946، ليثبت للسكان أن بيوتهم المحصنة لن تحميهم من مبضعه.
على بعد 12 ميلاً من المدينة، في مزرعة معزولة، كان المزارع فيرجيل ستارك (37 عاماً) يجلس في غرفة المعيشة يقرأ الجريدة. فجأة، ومن خلف النافذة الزجاجية، أطلق القاتل الخفي رصاصتين من عيار 22 تخترقان رأس فيرجيل ليسقط ميتاً فوراً وسط بركة من الدماء. سمعت زوجته كاتي ستارك صوت إطلاق النار وركضت نحو الهاتف لتتصل بالشرطة، لكن السفاح أطلق عليها النار عبر النافذة فأصابتها الرصاصات في فمها ووجهها.
برغم إصابتها البليغة وتطاير أسنانها، تملّك كاتي هرمون الأدرينالين؛ فهربت من الباب الخلفي للمنزل وركضت في الظلام الدامس عبر حقول الذرة الشاسعة وهي تنزف، حتى وصلت إلى منزل جيرانها الذين أنقذوا حياتها. اقتحم السفاح المنزل، مشى فوق دماء الزوج، لكنه عندما علم بهروب الزوجة، اختفى في الغابة قبل وصول دوريات الشرطة.
الفصل الخامس: اللغز الأبدي.. كيف اختفى الشبح؟
كانت جريمة المزرعة هي الذروة.. لكنها كانت أيضاً الفصل الأخير! بعد تلك الليلة، وتحديداً بعد مايو 1946، توقف القاتل الخفي عن القتل نهائياً. لم تُسجل أي جريمة أخرى بنفس الأسلوب أو القناع.
المحققون استجوبوا أكثر من 400 مشتبه به، ووضعت الشرطة يدها على متهم رئيسي يُدعى يويل سويني (وهو لص سيارات محترف ولديه سجل اعتداءات عنيفة)، وزوجته اعترفت للشرطة سراً أنه غاب عن المنزل في ليالي الجرائم، بل إن الشرطة عثرت على قميص ملوث بالدماء في سيارته. لكن بسبب عدم وجود تكنولوجيا الحمض النووي (DNA) في ذلك الوقت، ولأن الناجين لم يستطيعوا التعرف على وجهه بسبب قناع الخيش، عجز الادعاء عن اتهامه رسمياً بالجرائم، وحُكم عليه بالسجن المؤبد في قضايا سرقة السيارات فقط، وتوفي في السجن عام 1993 دون أن يعترف بكلمة واحدة.
مات القاتل الخفي، أو ربما سُجن في قضية أخرى، أو لعلّه انتقل لولاية ثانية وغير اسمه وقناعه، وأخذ سره معه إلى القبر، لتبقى قضية "سفاح تيكساركانا" واحدة من أغرب القضايا المقيدة ضد "مجهول" في تاريخ الجريمة العالمية، وتحولت إلى مصدر إلهام لسلسلة أفلام الرعب الشهيرة (The Town That Dreaded Sundown).

تعليقات
إرسال تعليق