دماء على سجادة الروضة: السرد الكامل لأبشع خيانة وعائلية في تاريخ الكويت
مقدمة: الهدوء الذي يسبق العاصفة
في العشرين من تموز (يوليو) عام 2001، كانت منطقة "الروضة" في الكويت تعيش ليلة صيفية هادئة كعادتها. البيوت متلاصقة، والشوارع آمنة، والنَّاس يستعدون للنوم. في أحد منازل هذه المنطقة، كانت عائلة "الملا" (الأب إبراهيم، الأم عائشة، وبناتهم الثلاث: أمل، إيمان، وفاطمة) تمارس حياتها الطبيعية، دون أن يعلموا أن ملك الموت لا يقف خلف الباب كشبح مجهول، بل هو شخص دخل بيوتهم مئات المرات، وأكل من زادهم، ويحمل في جيبه مفتاحاً وهاتفاً.. وفي قلبه سواد لا تسعه الأرض.
انتهت الليلة، وأشرقت شمس اليوم التالي، لكن منزل عائلة "الملا" ظل مظلماً، وهواتفهم ترن دون مجيب. هنا بدأت الشكوك تتسلل إلى قلوب الأقارب، شكوك تحولت في غضون ساعات إلى صدمة القرن.
الفصل الأول: مسرح الجريمة السريالي
عندما وصلت بلاغات للأجهزة الأمنية عن اختفاء العائلة، توجهت قوة من المباحث فوراً إلى المنزل. طرقت الأبواب، نُوديت الأسماء، لكن الصمت كان سيد الموقف. صدر الأمر بكسر الباب والدخول.
الشرطة لم تجد آثار كسر خارجي، والأبواب كانت مغلقة بعناية، مما يعني أن الداخل شخص "مرحب به". لكن بمجرد تخطي عتبة الصالة، ضربت أنوف رجال المباحث رائحة الموت والدماء القوية.
تحول البيت إلى مجزرة منظمة:
الأب والأم: وُجدا في غرفة النوم الرئيسية، غارقين في دمائهما بعد إطلاق النار عليهما من مسافة قريبة جداً في الرأس وهم على سريرهم.
البنات الثلاث: وُجدت جثثهن موزعة في أرجاء المنزل؛ إحداهن في الصالة والأخرى في ممر الغرف. كلهن تمت تصفيتهن بدم بارد، وبأعيرة نارية دقيقة في الرأس والرقبة، مما يدل على أن القاتل كان يتحرك بثبات، وينتقل من غرفة إلى غرفة ليقضي على أي شاهد محتمل.
الغرابة الجنائية: البيت لم يكن مبعثراً بالكامل كما يحدث في السرقات العادية، بل كان هناك بحث "محدد وموجه" في الخزائن والأدراج الخاصة بالأموال والذهب. القاتل كان يعرف أين تختبئ الأسرار.
الفصل الثاني: لغز "الابن الغائب" والمشتبه به الصامت
بدأت المباحث الجنائية برئاسة كبار القادة بفرز الأدلة. السؤال الأول الذي طرحه المحققون: أين ابن العائلة (مشاري)؟ تخوف الجميع من أن يكون الابن جثة سادسة مخفية، أو أنه هو الفاعل! لكن سرعان ما تبين أن "مشاري" كان خارج المنزل طوال الليلة في سهرة مع أصدقائه.
عندما تم استدعاء الابن المصدوم وإخباره بالفاجعة، انهار تماماً. وفي وسط تحقيقات المباحث معه لمعرفة من يتردد على المنزل، ذكر اسماً تكرر كثيراً: "مرزوق". مرزوق (24 عاماً) هو الصديق المقرب جداً لمشاري، بل يُعتبر فرداً من العائلة؛ يدخل ويخرج بدون استئذان، ويعرف أدق تفاصيل البيت، بل وساعد مشاري سابقاً في تركيب نظام قفل إلكتروني لغرفته!
المحققون الذكيون لاحظوا شيئاً غريباً: أثناء معاينة الجثة والتحقيق الأول، حضر "مرزوق" إلى موقع الجريمة! كان يبكي بحرقة، ويواسي صديقه مشاري، ويظهر حزناً شديداً صدم حتى رجال الأمن لاحقاً من مدى قدرته على التمثيل.
الفصل الثالث: الخيوط الذكية واللحظة الحاسمة
وضعت المباحث "مرزوق" تحت المجهر كإجراء روتيني، لكن الأدلة الجنائية بدأت تتحدث وتصرخ باسمه:
السلاح والمقذوفات: رفع خبراء الأدلة الجنائية المقذوفات وفوارغ الطلقات (عيار 9 ملم). وبمراجعة السجلات، تبين أن السلاح يعود لـ "مرزوق" نفسه، والذي كان يعمل في سلك عسكري (وزارة الداخلية) ويسهل عليه الحصول على السلاح والذخيرة.
الاتصالات: كشف برج التغطية الخاص بالهواتف المحمولة أن هاتف مرزوق كان متواجداً في محيط منطقة الروضة وفي توقيت الجريمة (الفجر)، على عكس ادعائه بأنه كان في مكان آخر.
الآثار الوراثية: رغم أنه حاول مسح البصمات، إلا أن دقة البحث الجنائي الكويتي كشفت عن خلايا وراثية (DNA) وبصمة خفية لمرزوق في أماكن لم يكن مفترضاً أن يتواجد بها في ذلك الوقت.
تم استدعاء مرزوق لإعادة التحقيق بشكل مكثف. في البداية أنكر وتماسك، وبدأ يراوغ بذكاء وحبكة. لكن عندما واجهه المحققون بالدليل الدامغ والأعيرة النارية ومطابقتها لسلاحه، انهار الحصن النفسي للمجرم، وبدأ يتدفق باعترافات تفصيلية تقشعر لها الأبدان.
الفصل الرابع: سيناريو ليلة الدم والاعتراف المزلزل
روى القاتل تفاصيل خطته الشيطانية: كان مرزوق يعاني من ديون متراكمة وضائقة مالية، وبسبب قربه من العائلة، علم أن الأب يملك مبالغ مالية والأم تملك مجوهرات ثمينة في المنزل. حسده وحقده على النعمة التي تعيشها العائلة عمّت بصيرته.
الساعة 3:00 فجراً: استغل مرزوق غياب صديقه مشاري، وتوجه للمنزل. دخل مستخدماً معرفته بمداخل البيت (أو عبر حيلة للدخول).
تصفية الوالدين: تسلل بخطوات بريئة إلى غرفة الأب والأم، وأطلق النار عليهما وهما نائمان ليضمن صمتهما.
مطاردة البنات: استيقظت البنات على صوت الرصاص المكتوم. خرجت الأخت الأولى مرعوبة، فوجدته أمامها؛ لم يتردد، وجّه السلاح لرأسها وأطلق النار. ثم تتبع الباقيات واحدة تلو الأخرى في الممرات، مصفياً إياهن بدم بارد كأنه في لعبة إلكترونية، حتى لا يترك وراءه أي شاهد يشي به لصديقه مشاري.
السرقة والهروب: بعد أن غرق البيت بالصمت والدماء، فتش الأدراج، سرق مجوهرات الأم وبعض الأموال، وأغلق الأبواب خلفه وعاد لبيته، ثم غسل ملابسه من الدماء ونام! وفي الصباح الباكر، ذهب ليواسي صديقه "مشاري" في تمثيلية خيانية مرعبة.
خاتمة: القصاص العادل
هزت هذه الجريمة أركان المجتمع الخليجي والعربي لسنوات؛ كيف يمكن للصديق، والضيف، والأخ الذي وثقت به العائلة، أن يتحول إلى وحش ينهي حياة خمسة أنفس من أجل حفنة من المال؟
أخذ القضاء الكويتي مجراه العادل والسريع. ونظراً لبشاعة الجرم وتوفر سبق الإصرار والترصد والخيانة، صدر الحكم التاريخي: الإعدام شنقاً لمرزوق، وتم تنفيذ الحكم فيه عام 2002، ليطوى فصل من أبشع فصول الجريمة العربية، تاركاً وراءه درساً قاسياً في أرشيف "ملفات الجريمة".

تعليقات
إرسال تعليق