"مذبحة عائلة ديفيو" في أميتيفيل



الهدوء الذي يسبق العاصفة: من هو "رونالد ديفيو الابن"؟

لكي نفهم كيف وقعت الكارثة، يجب أن نتعرف على بطلها؛ رونالد ديفيو الابن (Ronald DeFeo Jr.)، وكان يلقب بـ "بوتش" (Butch). في عام 1974، كان رونالد شاباً في الثالثة والعشرين من عمره، لكن حياته كانت عبارة عن قنبلة موقوتة. كان الأب "رونالد الأكبر" رجلاً سلطوياً، حاد الطباع، ويعامل ابنه بقسوة مفرطة أمام الجميع.

هذه المعاملة خلقت من "بوتش" شخصاً مضطرباً نفسياً، فاشلاً في دراسته وعمله، وسرعان ما غرق في عالم المخدرات والخمور. بدأت تظهر عليه سلوكيات عدوانية عنيفة، لدرجة أنه في إحدى المرات أثناء مشادة كلامية مع والده، وجه نحو وجهه بندقية محشوة وضغط على الزناد، لكن الرصاصة لم تخرج لخلل فني. ضحك بوتش ببرود وغادر الغرفة، وكانت تلك الإشارة الأولى بأن هناك شيئاً مرعباً يطبخ في عقله.


الساعة 3:15 فجراً: الشيطان يستيقظ

في ليلة الثلاثاء 12 نوفمبر 1974، عاد بوتش إلى المنزل متأخراً بعد قضاء سهرته المعتادة في الحانات. دخل المنزل الصامت، صعد إلى غرفته، لكنه لم ينم. انتظر حتى غرق الجميع في النوم العميق.

في تمام الساعة 3:15 فجراً من يوم الأربعاء 13 نوفمبر، تحرك بوتش في الممرات المظلمة كشبح. كان يحمل في يده بندقية صيد قوية جداً من عيار (Marlin .35 caliber)، وهي بندقية تحدث صوتاً هائلاً يشبه دوي الرعد عند الإطلاق.

  1. الضحية الأولى والثانية (الأب والأم): ركل بوتش باب غرفة والديه. وبدون ثوانٍ من التردد، وجه البندقية نحو ظهر والده "رونالد الأكبر" (43 عاماً) وأطلق عليه رصاصتين مزقتا جسده. التفتت الأم "لويز" (42 عاماً) مذعورة، وقبل أن تصرخ، عاجلها برصاصتين في الصدر. سقط الأب والأم غارقين في دمائهما على سريرهما.

  2. الضحية الثالثة والرابعة (الأخوان الصغيران): تحرك بوتش بدم بارد نحو غرفة شقيقيه الأصغر: "مارك" (12 عاماً) و"جون" (9 سنوات). دخل الغرفة، صوّب نحو ظهر كل منهما برصاصة واحدة قاتلة وهما مستسلمان للنوم.

  3. الضحية الخامسة والسادسة (الشقيقتان): صعد إلى الطابق العلوي حيث غرفة شقيقتيه: "داون" (18 عاماً) و"أليسون" (13 عاماً). صوّب البندقية نحو رأس أليسون وأطلق النار، ثم التفت إلى داون وأطلق الرصاصة الأخيرة على وجهها.

في غضون أقل من 15 دقيقة، أباد رونالد ديفيو عائلته بالكامل. ست جثث هامدة، ولم يتبقَ حيّاً في المنزل سوى هو.. وكلب العائلة الذي كان ينبح بهستيرية.


الخطة الفاشلة: محاولة تزييف الحقيقة

بعد ارتكاب المجزرة، لم يرتبك بوتش. قام بجمع ملابسه الملطخة بالدماء، ورصاصات البندقية الفارغة، ولفها في كيس بلاستيكي، ثم خرج بسيارته وألقى بالدليل في إحدى مصارف المياه بالمدينة. بعد ذلك، ذهب إلى عمله في ورشة السيارات الخاصة بوالده وكأن شيئاً لم يكن، وظل يتظاهر بالاتصال بالمنزل أمام زملائه ويبدي قلقه لأن "أحداً لا يجيب".

في المساء، وتحديداً في الساعة 6:30 مساءً، ركض بوتش بهستيرية نحو حانة محلية في أميتيفيل، وصوته يرتجف وهو يصرخ: "ساعدوني! أعتقد أن شخصاً ما أطلق النار على أمي وأبي!".

انتقل رواد الحانة معه إلى المنزل، واكتشفوا المنظر المرعب، وتم استدعاء الشرطة فوراً. في البداية، حاول بوتش خداع المحققين بذكاء؛ حيث ادعى أن عائلته كانت مستهدفة من قبل رجل عصابات في المافيا يُدعى "لويس فاليني"، وأن هذا الرجل هو من اقتحم المنزل وقتلهم بينما كان بوتش خارج البيت.


غرف التحقيق: انهيار القاتل

استمر المحققون في استجواب بوتش لعدة ساعات. لكن سرعان ما بدأت روايته المتماسكة تتفكك. سأله المحقق المحنك "دينيس جيرارد": "إذا كانت المافيا قد اقتحمت المنزل في الفجر، فلماذا أنت الناجي الوحيد؟ ولماذا لم يقتلوك؟"

بدأت الثغرات تظهر، وفجر اليوم التالي، عثرت الشرطة على صندوق البندقية الفارغ في غرفة بوتش الشخصية. واجهوه بالدليل الدامغ، وهنا انهار "بوتش" تماماً، وتغيرت ملامحه إلى برود مرعب، وقال جملته الشهيرة التي سجلتها دفاتر الشرطة:

"بمجرد أن بدأت، لم أستطع التوقف. لقد سار الأمر بسرعة كبيرة.. أنا من قتلهم جميعاً."


اللغز الطبي الشرعي: الأسئلة التي بلا إجابة!

هنا تنتهي القصة الجنائية التقليدية، لتبدأ الحبكة الغامضة التي تجعل هذه القضية مرعبة جداً في تاريخ الجريمة. عندما دخل خبراء الطب الشرعي والمحققون لمعاينة الجثث، صُدموا من ثلاث حقائق عجز العلم عن تفسيرها:

  • أولاً: وضعية الجثث الموحدة: جميع الضحايا الستة (الأب، الأم، والأبناء الأربعة) عُثر عليهم مستلقين على بطونهم، ووجوههم متجهة لأسفل نحو الوسادة، وفي نفس الوضعية تماماً! لم تكن هناك أي علامة على العراك، أو محاولة للاختباء، أو حتى التقلب الدفاعي.

  • ثانياً: لغز صمت البندقية: بندقية مارلين عيار 35 هي سلاح حربي ثقيل، صوت إطلاق النار منها في قصر مغلق يكون مدوياً لدرجة تصم الآذان. ورغم أن بوتش أطلق 8 رصاصات كاملة في غرف مختلفة وفي طابقين مختلفين، إلا أن الجيران لم يسمعوا شيئاً سوى نباح الكلب! والأغرب، أن الأشقاء لم يستيقظوا على صوت قتل والديهم، بل بقوا نائمين على بطونهم حتى وصلت الرصاصة إليهم!

  • ثانياً: غياب التخدير: رجحت الشرطة في البداية أن بوتش وضع لعائلته مخدراً في عشاء الليلة السابقة، لكن تقرير تشريح الجثث والمختبرات الجنائية جاء قاطعاً: "لا توجد أي آثار لسموم أو مخدرات أو مهدئات في أجساد الضحايا". كانوا في كامل وعيهم الطبيعي عند النوم!

كيف يمكن لستة أشخاص أن يظلوا مستلقين على بطونهم دون حراك أو محاولة هرب، بينما يُقتل أفراد عائلتهم في الغرفة المجاورة بسلاح صوته ك الرعد؟ هذا هو السر الذي دفن مع العائلة. 


المحاكمة والنهاية الغامضة

في سبتمبر 1975، بدأت محاكمة رونالد ديفيو الابن. حاول محامي الدفاع اللعب على وتر "الجنون" والأمراض النفسية، حيث ادعى بوتش في المحكمة أنه كان يسمع "أصواتاً غريبة في جدران المنزل" تأمره بالقتل، وتقول له: "اقتلهم.. طهر المكان".

لكن الادعاء العام أثبت أن بوتش كان بكامل قواه العقلية أثناء التخطيط وإخفاء الأدلة، وأنه قتلهم بدافع الحقد والرغبة في الحصول على أموال تأمين والده. في 21 نوفمبر 1975، حُكم على رونالد ديفيو بالسجن المؤبد لست مرات متتالية (25 عاماً عن كل ضحية).

ظل بوتش خلف القضبان يعطي روايات متناقضة طوال حياته؛ تارة يقول إن شقيقته داون هي من ساعدته، وتارة يقول إنه نفذ الأمر لوحده. واستمر في السجن حتى أُعلن عن وفاته في 12 مارس 2021 عن عمر يناهز 69 عاماً، ليأخذ معه السر الحقيقي لليلة الرعب في أميتيفيل إلى قبره.




مذبحة أميتيفيل، رونالد ديفيو، جريمة أميتيفيل الحقيقية





حقوق النشر: ملفات الجريمة - THE THOUGHT DOCK



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دماء على سجادة الروضة: السرد الكامل لأبشع خيانة وعائلية في تاريخ الكويت

قصة Richard Chase الكاملة | السفاح الذي أرعب أمريكا

الموت وعيونهم شاخصة للسماء: اللغز المرعب لسفينة الأشباح "أورانج ميدان"