من مشرحة الموت إلى حبل المشنقة: السرد الكامل والسرّي لجرائم "سفاح جامعة صنعاء"
سردية الموت الصامت: ملف "سفاح مشرحة صنعاء" الذي تاهت حقيقته بين الرعب والشائعات
هناك أماكن في العالم يزورها الخوف بانتظام، لكن قبو كلية الطب بجامعة صنعاء في عام 2000 لم يكن مكاناً يزوره الخوف.. بل كان المكان الذي يسكن فيه الشيطان، مرتاداً رداءً أبيض وممسكاً بمبضع تشريح. لسنوات طويلة، تناقلت الألسن شائعات وأساطير شعبية حول "الطالبة التي هربت من قبو الموت لتفضح السفاح"؛ لكن الحقيقة الجنائية الموثقة في دهاليز البحث الجنائي اليمني كانت أكثر تعقيداً، بشاعة، وذكاءً من أي قصة خيالية.
في هذا التحقيق الحصري والمفصل لمدونة The Thought Dock، ننزل درجات السلم المظلم لنفتح الملف الكامل لجرائم السوداني محمد آدم إسحاق، ونكشف بالأسماء والتواريخ كيف سقط القناع عن أبشع سفاح متسلسل في تاريخ اليمن الحديث.
الفصل الأول: الوحش في الطابق السفلي (-112)
في أواخر التسعينيات، كانت كلية الطب بجامعة صنعاء منارة علمية يقصدها الطلاب من مختلف الدول العربية. وفي أعمق نقطة من مبنى الكلية، حيث الرطوبة العالية ورائحة "الفورمالين" والمواد الكيميائية الخانقة، تقع المشرحة. كان هذا العالم الصامت تحت إدارة فني التشريح السوداني محمد آدم إسحاق (المولود في أم درمان).
كان محمد آدم يبلغ من العمر حينها حوالي 52 عاماً، ملامحه هادئة، يبدو كشخص روتيني مستغرق في عمله. حاز على ثقة عمادة الكلية والطلاب؛ فمن يجرؤ على قضاء الليل بطوله في قبو مليء بالجثث والهياكل العظمية سواه؟ لكن هذا القبو كان يمثل لمحمد آدم شيئاً آخر: كان "المسرح المثالي" لجريمة لا تترك أثراً. الروائح الكيميائية الكفيلة بحجب رائحة الموت، والبراميل المليئة بالأسيد الحارق، والجثث المقيدة رسمياً التي يمكن خلط العظام بها.. كل شيء كان جاهزاً لينطلق السادي الكامن في داخله.
الفصل الثاني: قائمة الصياد (الأسماء والأعمار)
لم يكن محمد آدم يختار ضحاياه عشوائياً، بل كان يصطاد الطالبات اللواتي يترددن على المشرحة للمذاكرة الفردية أو لديهن معاملات بخصوص عينات التشريح، مستغلاً سلطته الوظيفية لاستدراجهن في ساعات خلو الكلية.
الضحية الأولى: حسنية علي شبيل (اليمن - 21 عاماً): طفلة أحلام عائلتها، طالبة في المستوى الأول بكلية الطب. اختفت في ربيع عام 1999. بحثت عائلتها عنها في كل مكان، حتى إن والدها زار المشرحة بنفسه وسأل محمد آدم عنها، فنظر السفاح في عيني الأب المفجوع وقال ببرود: "لم أرها منذ أيام، ربما سافرت"! في تلك اللحظة، كانت بقايا حسنية قد تلاشت تماماً في مجاري الصرف الصحي للمشرحة.
الضحية الثانية: زينب سعود عزيز (العراق - 22 عاماً): طالبة متفوقة في المستوى الثاني، مقيمة مع عائلتها العراقية في صنعاء. في مطلع عام 2000، دخلت زينب مبنى الكلية لاستعادة أغراض دراسية، ولم تخرج منه حية أبداً.
اختفاء طالبتين من نفس الكلية فجّر بركاناً من الرعب بين الطالبات وعائلاتهن، وبدأت الشائعات تملأ الشارع اليمني، بينما كان السفاح يراقب المشهد بابتسامة غامضة من قبو المظلم.
الفصل الثالث: بروتوكول الإبادة بالأسيد
كيف كان يقتل؟ وكيف كان يتخلص من الجثث دون أن يشعر به أحد؟ في غرف التحقيق، اعترف محمد آدم ببروتوكوله المرعب: كان يستدرج الطالبة إلى الغرفة الداخلية للمشرحة بحجة تسليمها مراجع أو عينات. وبمجرد أن تدير ظهرها، يباغتها بضربة عنيفة على مؤخرة الرأس بآلة حادة تفقدها الوعي، ثم يقوم بخنقها باستخدام حبل أو بيديه العاريتين حتى يتأكد من توقف أنفاسها.
بعد القتل، تبدأ مرحلة السادية الطبية: كان ينقل الجثة إلى طاولة التشريح، وبواسطة مباضعه الطبية يقوم بفصل الرأس والأطراف وتقطيع اللحم بدقة. ومن ثم، يضع هذه الأشلاء في براميل بلاستيكية كبيرة ويصب عليها كميات مركزة من مادة "الأسيد الحارق" (حمض الكبريتيك) مخلوطاً بالفورمالين. تترك الجثة لعدة أيام حتى تذوب الأحشاء واللحوم تماماً وتتحول إلى سائل لزج، يقوم بتصريفه سراً في فتحات مجاري المشرحة. أما العظام المتبقية، فكان ينظفها جيداً ويخلطها مع عظام الجثث المخصصة للدراسة، مستغلاً حقيقة أن أحداً لن يقوم بعدّ الهياكل العظمية بدقة.
الفصل الرابع: تفكيك الأسطورة.. كيف سقط السفاح حقاً؟
هنا نأتي إلى الحقيقة الجنائية التي يبحث عنها قراء The Thought Dock لتصحيح التزييف التاريخي: لم تكن هناك أي طالبة هربت وفضحته! الروايات المنتشرة على الإنترنت حول الفتاة الهاربة هي مجرد حبكة درامية ألفها الناس من هول الصدمة.
الحقيقة هي أن القاتل سقط بسبب "كشكول محاضرات" وغباء سادي:
خيط الكشكول 📖: بعد اختفاء الطالبة العراقية زينب، استجوبت المباحث الجنائية صديقاتها المقربات. إحدى الصديقات أدلت بشهادة حاسمة: "زينب كانت تبحث عن كشكول محاضرات (دفتر) استعارته منها طالبة أخرى، وقالت لي إنها ستذهب إلى الأستاذ محمد آدم في المشرحة لأنه أخبرها أنه يعرف أين الفتاة وأين الدفتر". هذه الشهادة جعلت محمد آدم آخر شخص شوهدت الضحية معه، فصارت الشكوك تحوم حوله رسمياً.
تصفية الشريكة (ياسمين) 🪙: تزامناً مع التحقيقات، تكشف ملفات الشرطة أن محمد آدم لم يكن يقتل للمتعة فقط، بل كان يسرق مجوهرات وذهب الطالبات بعد قتلهن. كانت له عشيقة وشريكة يمنية تُدعى "ياسمين" تساعده في بيع هذا الذهب في السوق. قبل أسابيع من سقوطه، اختلف مع ياسمين على تقسيم الأموال، فهددته قائلة: "سأذهب للأمن وأخبرهم بما تفعله بالطالبات في المشرحة". بدافع الذعر، استدرج محمد آدم شريكته ياسمين إلى المشرحة، واعتدى عليها ثم ذبحها من الوريد إلى الوريد ليضمن صمتها للأبد. لكن هذا الارتباك وسلسلة الاختفاءات جعلت الأمن يستصدر إذن تفتيش عاجل واقتحام للمشرحة.
الفصل الخامس: فجر 16 مايو 2000 (المواجهة)
في فجر ذلك اليوم، اقتحمت قوة من المباحث الجنائية قبو المشرحة. لم يجدوا فتاة تصرخ، بل وجدوا محمداً آدم واقفاً ببرود مريب. فتشوا غرفته الخاصة وصناديقه، وكانت الصدمة التي هزت اليمن: عثروا على حقائب دراسية، ملابس نسائية ممزقة، مقتنيات شخصية، والأهم.. كشكول المحاضرات الخاص بالطالبة زينب!
عند فتح البراميل والخزانات السرية، عثرت الأدلة الجنائية على بقايا أشلاء بشرية لم تذب بالكامل، وشعر نسائي علق في فتحات التصريف. انهار السفاح تماماً أمام الأدلة المادية وصاح: "أنا من قتلهم جميعاً.. بمجرد أن أرى الدماء لا أستطيع التوقف".
الفصل السادس: المفاجأة الدولية وحبل المشنقة
خلال المحاكمة العلنية التي حبست أنفاس العالم العربي، فجر محمد آدم قنبلة أخرى؛ إذ اعترف أنه سفاح عابر للحدود، وأنه ارتكب جرائم قتل مماثلة بحق 16 امرأة وفتاة طوال مسيرته المهنية أثناء عمله في مستشفيات ومشاح في السودان، ومصر (مستشفى قصر العيني)، والأردن، قبل الاستقرار في اليمن. ورغم أن القضاء ركز على الجرائم المثبتة في صنعاء، إلا أن هذه الاعترافات ثبتت صفة "السفاح المتسلسل السيكوباتي" عليه.
في يونيو 2000، صدر الحكم بالإعدام قصاصاً وتعزيراً. وفي صباح يوم 20 يونيو 2001، اقتيد محمد آدم إسحاق إلى ساحة تطبيق الحكم أمام حشود غفيرة من المواطنين، وطلاب الجامعة، وأهالي الضحايا (حسنية وزينب وياسمين)، وتم إعدامه رمياً بالرصاص ليكون ذلك الفصل الأخير لوحش المشرحة.

تعليقات
إرسال تعليق