الملف الجنائي: سفاح نابل – الحرباء الكامنة في غابات اللوز

 


الملف الجنائي: لغز غابة اللوز – سقوط "الحرباء" التونسية ناصر الدامرجي


في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، كانت مدينة "نابل" التونسية الساحلية تغرق في سلام ريفي آسر. حقول اللوز الممتدة هناك لم تكن مجرد مصدر للرزق، بل كانت لوحة خضراء تداعبها نسائم المتوسط، حيث ينساب الوقت ببطء شديد، وحيث يعرف الجميع بعضهم البعض.

من بين تلك الوجوه الريفية المألوفة، برز رجل خمسيني نحيل، هادئ الملامح، منزوٍ عن الصخب، ينصرف بكليته منذ الصباح الباكر إلى فلاحة الأرض ورعاية أشجاره. كان جيرانه يرمقونه بعطف واحترام، ويعرفونه باسم "عمّ الناصر"؛ الفلاح الوقور، المتعب، الذي لا يكاد يُسمع له صوت في المقاهي الشعبية، والذي يبدو أنه لا يحمل في قلبه سوى الرغبة في العيش بسلام.

لكن، خلف هذا الهدوء القاتل وقناع البراءة الريفية المتقن، كان يختبئ المخلوق الأكثر رعباً وسوداوية في تاريخ المغرب العربي. لم يكن "الناصر" سوى الناصر الدامرجي.. السيكوباتي الحرباء، والقاتل المتسلسل الأبشع الذي حوّل تلك الظلال الوادعة لأشجار اللوز إلى مقبرة جماعية صامتة، ابتلعت أنفاس أكثر فئات المجتمع براءة.


تشريح العقدة: كيف يُصنع الوحش؟

لا يولد السفاح المتسلسل من عدم؛ بل هو مسخ مشوه يُطبخ على نار هادئة من الأحقاد والانتهاكات. ولد الناصر الدامرجي في بيئة قاحلة عاطفياً، وغاب عنها الدفء الأسري بشكل مرعب. تجرع في مقتبل عمره كؤوساً من الرفض والمهانة، وتعرّض لتجارب مريرة من الانتهاك والاضطهاد الجسدي والنفسي من محيطه.

هذا التشويه التراكمي لم يمت بمرور الزمن، بل تحول في أعماقه إلى كبت مزمن وحقد أسود يغلي ضد المجتمع بأسره. كان الدامرجي ينظر إلى "البراءة" كعدو مستفز؛ لأنها تذكره بكل شيء حُرم منه في طفولته المنسية.

وعوضاً عن إظهار هذا الوحش، نجح في بناء آلية دفاعية بالغة التعقيد والذكاء: الاندماج الكامل في دور المواطن الصالح. اشترى قطعة أرض، زرعها باللوز، وارتدى ملابس الفلاح البسيط المحني الظهر. هذا الانعزال لم يكن زهداً في الدنيا، بل كان الضمانة الأساسية للاختباء عن أعين أجهزة الأمن، والستار المثالي لإعداد مسرح جريمة معزول لا يصله صراخ، ولا تلتفت إليه الشكوك.


الآلية الإجرامية: صيد السنونو في شباك العنكبوت

كان الدامرجي يصطاد ضحاياه بدم بارد، مستغلاً طيبة وأمان الأطفال في ريف تونس. كان يتجول بخطوات ثقيلة ومظهر أبوي حنون قرب المدارس الابتدائية والأسواق الشعبية المكتظة، باحثاً بعينين صقريتين عن الصيد المثالي: طفل وحيد، شارد، أو يبحث عن طريق العودة.

كان يقترب منهم بابتسامته المتعبة، وبلغته البسيطة يستدرجهم؛ تارة يعدهم بقطع من الحلوى النادرة، وتارة يعرض عليهم جولة ممتعة على عربته، أو يدعوهم بحنان مزيف لمساعدته في قطف ثمار اللوز اللذيذة مقابل قروش قليلة.

"كانت غابات اللوز في نابل بمثابة شِباك عنكبوت عملاقة. يدخلها الطفل واثقاً، ممسكاً بيد فلاح عجوز يظنه ملاكاً، لكنه بمجرد أن يتخطى خط الأشجار الكثيفة، يدرك أنه سار بقدميه إلى الجحيم. غابات اللوز كانت تأكل البراءة، ولا تترك وراءها سوى القبور."

بمجرد أن يصبح الضحية في عمق المزرعة، أو داخل الكوخ المهجور القابع وسط الحقول حيث تنقطع الأصوات، يختفي "عمّ الناصر" الحنون في لمح البصر، ليظهر الوحش السادي. بشراسة مفترسة، كان يشل حركة الأطفال تماماً، مكبلاً أجسادهم الغضة، ثم يبدأ في ممارسة طقوسه السادية والاعتداء عليهم جنسياً بمرارة لا تعرف الرحمة.

وقبل أن يستوعب الطفل حجم الكارثة وهو يتوسل بدموعه، كان الدامرجي يطبق يديه العاريتين الخشنتين، أو يشد حبلاً متيناً حول عنقه الصغير، حارماً إياه من آخر زفير. كانت الدقائق تمر ثقيلة، والوحش يراقب انطفاء الحياة في عيون ضحاياه ببرود مرعب. وبمجرد أن تسكن الجثة، يسحبها ببطء، ويحفر لها قبراً دقيقاً بين جذور أشجار اللوز، يغمرها بالتراب الندي، ثم يمشط الأرض فوقها ليخفي الأثر.

وفي المساء؟ يعود الفلاح الوقور إلى مقهاه المعتاد، يلقي التحية على جيرانه، ويرتشف الشاي الدافئ، بينما يرتجف ريف نابل بأكمله رعباً على اختفاء طفل جديد.


سنوات الهلع.. وسقوط أقنعة الحرباء

على مدار أشهر وسنوات، تحولت نابل إلى مدينة أشباح. اختفى الطفل تلو الآخر في ظروف غامضة دون أي أثر أو فدية. عائلات تموت في اليوم ألف مرة، وشائعات مرعبة تجتاح الشارع التونسي عن "غول" أو "مختطف للأطفال" غير مرئي يجوب الأرجاء.

بدأت الأجهزة الأمنية التونسية تستشعر الخطر التكنيكي؛ فالقضية ليست اختفاءً عادياً، بل نحن أمام قاتل متسلسل منظم ذكي. كُثفت التحريات، ورُسمت الخطوط الجغرافية لنقاط الاختفاء، لتتقاطع خيوط البحث كلها في مكان واحد: المزارع والحقول المحيطة بمدينة نابل.

لكن السقوط لم يكن بخطة أمنية معقدة، بل بخطأ قاتل ارتكبه السفاح نتيجة ثقته المفرطة، وتيقظ مواطن عادي اشتبه في تحركات "عمّ الناصر" المريبة وهو يحاول الاقتراب بشكل مريب من طفل أفلت منه في اللحظات الأخيرة. تم تطويق الفلاح، واقتيد إلى مركز التحقيق.

في الساعات الأولى، كان الدامرجي يتكلم بثقة الفلاح المظلوم، مدافعاً عن شرفه الشائخ. لكن بمواجهته بالقرائن الجنائية، وبتفتيش دقيق لكوخه، انهار قناع "العقلانية" فجأة. خرج الوحش من مخبئه ليعترف اعترافاً زلزل أركان تونس: لقد أنهى حياة 14 طفلاً!

قاد الدامرجي رجال الأمن وهو مكبل الأغلال إلى غابته المفضلة. وهناك، وتحت ظلال أشجار اللوز التي طالما أكل الناس من ثمارها، بدأت الجرافات والمعاول باستخراج جثث ورفات الأطفال في مشاهد مأساوية وتاريخية أبكت الشارع التونسي من الوريد إلى الوريد.


الستار الأخير: نهاية الحرباء

شهدت قاعة المحكمة الجنائية في تونس مواجهة تاريخية بين المجتمع والوحش. احتشد الآلاف مطاردين السفاح بهتافات تطالب بالقصاص. الغريب والمفزع، أن الدامرجي وقف أمام القاضي وأهالي الضحايا ببرود سيكوباتي تام، عيون زجاجية فارغة من أي ندم، كأنه يتحدث عن شخص آخر، مما أكد للمحققين وأطباء النفس أن ساديته بلغت مرحلة لا يمكن علاجها.

  • أواخر الثمانينيات: تمدد الكابوس المظلم واختطاف 14 طفلاً بدم بارد وسط حقول نابل.

  • 1989 - 1990: سقوط القناع، اعتقال الدامرجي، وانكشاف المقبرة الجماعية تحت ظلال اللوز.

  • ديسمبر 1990: القضاء التونسي يسطر كلمته الأخيرة ويحكم بالإعدام النهائي وسط تهليل شعبي جارف.

  • 17 نوفمبر 1991: اقتياد الناصر الدامرجي إلى منصة الإعدام، حيث لُفت المشنقة حول عنقه ليُشنق حتى الموت، مسجلاً بذلك آخر حكم إعدام نُفّذ فعلياً في تاريخ تونس حتى يومنا هذا.


شاركونا في التعليقات (The Thought Dock):

قصة سفاح نابل تطرح أمامنا تساؤلات سيكولوجية مرعبة ومقلقة للغاية، ونود أن نسمع آراءكم وتفسيراتكم حولها في التعليقات:

  1. كيف يمكن لشخص أن يعيش بهويتين متناقضتين تماماً؛ يزرع الحياة في الأرض صباحاً كفلاح بسيط، ويقطف أرواح الأطفال بدم بارد ليلاً؟ هل تعتقدون أن المجتمع الذي خذله في طفولته يتحمل جزءاً من صناعة هذا الوحش، أم أن السادية شرّ مطلق يولد مع الإنسان؟

  2. ما هو برأيكم الجانب الأكثر رعباً في هذه القضية؟ هل هو وحشية الجريمة نفسها، أم "قناع العقلانية والصلاح" الذي ارتداه الدامرجي وخدع به مجتمعاً كاملاً لسنوات دون أن يشك به أحد؟

شاركونا تحليلاتكم أسفل المقال، ولا تنسوا مشاركة القصة إذا أعجبتكم!






حقوق النشر: ملفات الجريمة - THE THOUGHT DOCK



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لغز أنبوب الخرج: الجريمة الكاملة التي حطمتها الفراسة الأمنية

دماء على سجادة الروضة: السرد الكامل لأبشع خيانة وعائلية في تاريخ الكويت

الموت وعيونهم شاخصة للسماء: اللغز المرعب لسفينة الأشباح "أورانج ميدان"