الشبح الذي كان يرتدي شارة الشرطة: الملف الكامل لـ "قاتل الولاية الذهبية"



في منتصف السبعينات، ساد هدوء زائف في ضواحي كاليفورنيا. كانت العائلات تترك أبواب بيوتها مفتوحة، والأطفال يلعبون في الأزقة حتى المساء. لكن خلف هذا الأمان الظاهري، كان هناك شبح يتحرك في الظلام، يراقب، يخطط، ويدرس أدق تفاصيل ضحاياه. رجلٌ لم يكن يترك وراءه أثراً واحداً، وظل لغزاً حير الـ FBI والشرطة الأمريكية لأكثر من أربعين عاماً.. حتى قادتهم "شجرة عائلة" منسية إلى صدمة لم يتوقعها أحد: السفاح كان واحداً منهم!


الفصل الأول: سيكولوجية الترهيب.. كيف تلاعب الشبح بضحاياه؟

لم يكن "قاتل الولاية الذهبية" مجرد مجرم يقتحم المنازل عشوائياً؛ بل كان يعتمد على تكتيكات نفسية وعسكرية مرعبة تهدف إلى شل حركة الضحايا تماماً قبل قيامه بأي خطوة.

  • المراقبة والتمهيد: كان يختار الأحياء الهادئة والمنازل ذات الطابق الواحد القريبة من الممرات الضيقة أو المساحات المفتوحة ليسهل هروبه. والصادم أنه كان يقتحم المنزل المستهدف قبل أيام من الجريمة (أثناء غياب أصحابه) ليقوم بفك أقفال النوافذ، وتفريغ أسلحة أصحاب البيت من الرصاص، بل وتخبئة حبال أو أربطة تحت السرير لاستخدامها لاحقاً!

  • لعبة الأطباق الصينية: كان أسلوبه في ترهيب الأزواج ساديّاً وذكياً؛ يقتحم غرفة النوم ليلاً، ويسلط كشافه الضوئي القوي على أعينهم ليعميهم عن رؤية ملامحه. يربط يدّي الزوج أولاً، ثم يضع "أطباقاً صينية" أو أكواباً على ظهره، ويلتفت إليه قائلاً بنبرة باردة كالموت: "إذا سمعتُ صوت طقطقة هذه الأطباق، سأقتلكم جميعاً". هكذا، كان يضمن أن الزوج سيبقى متصلباً من الرعب، بينما يتفرغ هو للاعتداء على الزوجة في الغرفة المجاورة.

  • التذكارات الغريبة: بدلاً من سرقة المجوهرات أو الأموال الضخمة، كان يسرق أشياء صغيرة جداً وعديمة القيمة المادية، مثل عملات قديمة، ميداليات مفاتيح، أو صور شخصية. كان يحتفظ بها كـ "تذكارات صيد" يستمتع بالنظر إليها لاحقاً ليعيد عيش الجريمة في مخيلته.


الفصل الثاني: الرسائل المستفزة ومراوغة العدالة

امتدت جرائمه بين عامي 1974 و1986، وتنقل بين شمال وجنوب كاليفورنيا، مما جعل الشرطة تطلق عليه أسماء متعددة دون أن تدرك أنه نفس الشخص، فلقّبوه بـ "مغتصب المنطقة الشرقية" و"المتسلل الليلي الأصلي".

كان يستمتع بإهانة المحققين وملاعبتهم. في إحدى المرات، اتصل بالشرطة وقال بسخرية: "لن تمسكوني أبداً". والأبشع من ذلك، أنه بعد سنوات من توقف جرائمه، اتصل بإحدى ضحاياه الناجيات في منتصف الليل، وعندما رفعت السماعة، همس بصوته الأجش المرعب: "أنا قاتلكِ.." ثم أغلق الخط، ليثبت لها وللأمن أنه ما زال حراً، وما زال يراقب.

ثم فجأة في عام 1986.. اختفى الشبح. توقفت الجرائم تماماً، وأُغلقت الملفات، وبقيت القضية كواحدة من أكبر القضايا الباردة (Cold Cases) في التاريخ.


الفصل الثالث: "علم الأنساب الجيني".. الثورة التي هزت عالم الجريمة

مرت ثلاثون سنة، وتغيرت أجيال من المحققين دون جدوى. نعم، كانت الشرطة تملك عينات من حمضه النووي (DNA) تم جمعها من مسارح الجريمة قديماً، ولكنها لم تكن متطابقة مع أي مجرم مسجل في قاعدة البيانات الحكومية.

هنا، ظهر المحقق المتقاعد الذكي بول هولز (Paul Holes)، وقرر التفكير خارج الصندوق وبطريقة قلبت موازين التحقيق الجنائي للأبد: لماذا نبحث عن القاتل نفسه في قاعدة بيانات المجرمين، بينما يمكننا البحث عن أقاربه في مواقع الأنساب التجارية؟

  1. الخديعة الرقمية: أخذ المحققون ملف الـ DNA الخاص بالقاتل، وقاموا برفعه على موقع إلكتروني مفتوح يُدعى (GEDmatch)؛ وهو موقع يستخدمه الناس العاديون لمعرفة أصولهم وبناء شجرة عائلاتهم.

  2. صيد الأقارب: الموقع لم يعثر على القاتل مباشرة، لكنه وجد "تطابقاً جزئياً" مع أشخاص تشاركوا مع القاتل نفس الأجداد في القرن التاسع عشر (أبناء عمومة من الدرجة الثالثة والرابعة).

  3. الهندسة العكسية لشجرة العائلة: بدأ خبراء الأنساب في بناء شجرة عائلة ضخمة، تفرعت إلى آلاف الأشخاص على مر العقود. واستخدم المحققون أسلوب الإقصاء: استبعدوا النساء (لأن القاتل رجل)، واستبعدوا من لا يطابق عمره عمر القاتل المفترض، ومن لم يكن متواجداً في كاليفورنيا وقت الجرائم.. حتى تضيقت الدائرة الشرسة، ووقعت الشبهة على رجل واحد: جوزيف جيمس دوانجيلو.


الفصل الرابع: سقوط القناع والصدمة الكبرى

في أبريل 2018، فرضت الشرطة رقابة سرية على منزل هذا العجوز السبعيني في ساكرامنتو. انتظروا حتى خرج ليرمي كيس نفايات في الحاوية الخارجية. التقطت الشرطة الكيس سراً، وفحصت الحمض النووي الموجود على إحدى القصاصات.. وجاءت النتيجة الصادمة: تطابق بنسبة 100%.

لكن المفاجأة الأكبر لم تكن فقط في القبض عليه، بل في هويته؛ "جوزيف دوانجيلو" كان شرطياً سابقاً! خدم في سلك الأمن خلال السبعينات (نفس الفترة التي بدأت فيها جرائمه الأولى)، قبل أن يتم طرده لاحقاً بسبب سرقة متجر.

هذه الهوية أظهرت أخيراً لغز عبقريته الإجرامية:

  • كان يعرف كيف تدار التحقيقات، فكان يتجنب ترك البصمات.

  • كان يستمع لأجهزة اللاسلكي الخاصة بالشرطة ويعرف أين تتجه الدوريات ليتحرك في الاتجاه المعاكس.

  • كان يملك شارة تمنحه الحصانة والتجول بحرية في الأوقات المشبوهة دون أن يشك به أحد.


الخاتمة: نهاية الرحلة

في عام 2020، وداخل قاعة محكمة مكتظة بالضحايا وعائلاتهم، جلس العجوز المستقوى بالماضي على كرسي متحرك، ووافق على الاعتراف بـ 13 جريمة قتل وأكثر من 50 حالة اعتداء، مقابل إسقاط عقوبة الإعدام. حُكم عليه بالسجن المؤبد مدى الحياة دون أي احتمال للخروج.

انتهت أسطورة "قاتل الولاية الذهبية"، لكنها فتحت عصراً جديداً في القضاء؛ حيث أصبح علم الأنساب الجيني السلاح الأول لحل أعقد الجرائم الباردة حول العالم. فالعدالة قد تنام طويلًا، لكنها لا تموت.


 تساؤلات النهاية والحل العلمي (لإبراز نقطة التحول):

  • هل كان من الممكن كشف هوية "جوزيف دوانجيلو" لولا الطفرة التكنولوجية ومواقع الأنساب التجارية؟

  • كيف استقبل المحققون صدمة أن "الشبح" الذي طاردوه لأربعين عاماً كان يرتدي شارة الأمن ويجلس معهم في نفس الخندق؟

  • والأهم: كم مجرماً طليقاً الآن يعتقد أنه أفلت بفعلته، بينما ينتظر حمضه النووي قفزة علمية جديدة تطيح به؟







حقوق النشر: ملفات الجريمة - THE THOUGHT DOCK

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لغز أنبوب الخرج: الجريمة الكاملة التي حطمتها الفراسة الأمنية

دماء على سجادة الروضة: السرد الكامل لأبشع خيانة وعائلية في تاريخ الكويت

الموت وعيونهم شاخصة للسماء: اللغز المرعب لسفينة الأشباح "أورانج ميدان"